الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
356
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لذلك لا يبقى من مجال سوى أن يكون المقصود منها هو أداء الزكاة . المشكلة الأخرى التي تواجهنا هنا ، هي أن الزكاة شرعت في العام الثاني من الهجرة المباركة ، والآيات التي بين أيدينا مكية ، بل يذهب بعض كبار المفسرين إلى أن سورة " فصلت " هي من أوائل السور النازلة في مكة ، لذلك كله - وبغية تلافي هذه المشكلة - فسر المفسرون الزكاة هنا بأنها نوع من الإنفاق في سبيل الله ، أو أنهم تأولوا المعنى بقولهم : إن أصل وجوب الزكاة نزل في مكة ، إلا أن حدودها ومقدارها والنصاب الشرعي لها نزل تحديده في العام الثاني من الهجرة المباركة . يتبين من كل ما سلف أن أقرب مفهوم لمقصود الزكاة في الآية هو المعنى العام للإنفاق ، أما كون ذلك من علائم الشرك ، فيكون بسبب أن الإنفاق المالي في سبيل الله يعتبر من أوضح علامات الإيثار والحب لله ، لأن المال يعتبر من أحب الأشياء إلى قلب الإنسان ونفسه ، وبذلك فإن الإنفاق - وعدمه - يمكن أن يكون من الشواخص الفارقة بين الإيمان والشرك ، خصوصا في تلك المواقف التي يكون فيها المال بالنسبة للإنسان أقرب إليه من روحه ونفسه ، كما نرى ذلك واضحا في بعض الأمثلة المنتشرة في حياتنا . بعبارة أخرى : إن المقصود هنا هو ترك الإنفاق الذي يعتبر أحد علامات عدم إيمانهم بالخالق جل وعلا ، والأمر من هذه الزاوية بالذات يقترن بشكل متساوي مع عدم الإيمان بالمعاد ، أو يكون ترك الزكاة ملازما لإنكار وجوبه . وثمة ملاحظة أخرى تساعد في فهم التفسير ، وهي أن الزكاة لها وضع خاص في الأحكام والتعاليم الإسلامية ، وإعطاء الزكاة يعتبر علامة لقبول الحكومة الإسلامية والخضوع لها ، وتركها يعتبر نوعا من الطغيان ولمقاومة في وجه الحكومة الإسلامية ، ونعرف أن الطغيان ضد الحكومة الإسلامية يوجب الكفر . والشاهد على هذا المطلب ما ذكره المؤرخون من " أصحاب الردة " وأنهم من